Home / مريميات / عقيدةُ الحبَلِ بلا دنسٍ بالعذراء مريم

عقيدةُ الحبَلِ بلا دنسٍ بالعذراء مريم

عقيدةُ الحبَلِ بلا دنسٍ بالعذراء مريم

 

الحبَلُ في الكتابِ المقدَّس:

          قالَ الرَّبُ للشيطانِ المتمَثِلِ في الحيَّةِ: “ها أجعلُ عداوةً بينك وبين المرأة، وبينَ نسلكَ ونسلها، فهو يسحقُ رأسكِ وأنت تُصيبين عَقِبَه” (تكوين 3: 15). فما المقصودُ بهذا؟ المقصودُ هو أنَّ الله يُثيرُ تدبيراً انتقاميَّاً ضدَّ الشيطان حتَّى تدميرِ سلطانه. وعليه فإنَّ هذا النص من سفر التكوين يُسمى الإنجيل الأول حيث يتناول المسيح المنتصر. فهل يتناولُ أيضاً أمه مريم؟ فالمسيحُ وحدَه خلَّصَ العالم، وعنه وحده قيل إنَّه نسلُ المرأة، فإذا كان نسلُ المرأةِ هو المسيحُ فهذا يعني أنَّ المرأةَ هي العذراء.

          فالعداوةُ لم تكُنْ فقط بين نسلِ المرأةِ ونسلِ الحيَّةِ ولكن بينَ المرأةِ والحيَّةِ أيضاً، أيّ أنَّ المرأةَ ستشتركُ مع نسلِها، مريم مع ابنها في سَحقِ رأسِ الحيَّةِ. فالأمرُ يتعلقُ أيضاً بحواءَ الجديدة وآدمَ الجديد المولودِ منها وحدَها. فكما استعملَ الشيطانً المرأةَ ليُسقِطَ الرجل، كذلك استعمل اللهُ المرأةَ ليُدَمِّرَ الشيطان، ابتداءً بالمرأِة نفسها. حقّاً كيف يكون لمريم العذراء أنَّها سحقَتْ رأسَ الشيطان لو أنَّها وُجِدَتْ تحتَ سيطرتِهِ.

          إنَّ سلامَ الملاكِ لمريم غنيٌّ جداً “يا ممتلئةً نعمةً مُباركَةٌ في النساء” أيّ أنَّ هناك بركة فريدة ومتميزة تنبثقُ من العلاقة الحميمّة بينها وبين الذي هو ثمرةُ بطنها، فبالتالي لم تكن قطّ تحت وطأةِ اللعنة لأنَّ الحبل بلا دنس جزءٌ لا يتجزّأ من الامتلاء بالنعمة، حيث أنَّ امتيازَ الحبل بلا دنس كامنٌ ضمناً في السلام الملائكيّ. فيقول المجمع الفاتيكاني الثاني: فلا عجب إذا من نعت أم الله بالقدّيسة تماماً، والمعصومة من كل وصمة خطيئة، لأنَّ الروحَ القدُّس عجنها وكوَّنها. إذ أُغنيَتْ منذ اللحظةِ الأولى من الحبل بها بقداسةٍ باهرةٍ لا مثيل لها.

الحبَل عند آباءِ الكنيسة:

          قد احتوى تعليمُ الآباءِ على كلامٍ يتضمنُ فكرةَ الحبَلِ بلا دنس، كما شبّه هيبوليتوس المُخلِص بتابوتِ العهد المصنوع من خشبٍ غير قابلٍ للفساد، ويقولُ أن الرَّب مُنزَّهٌ عن الخطيئة لأنَّه، في طبيعته البشريَّة، من خشبٍ غير قابلٍ للفساد أيّ من العذراءِ والروحِ القدس. في الحقبة الممتدة بين مجمعي نيقيا وأفسس كان الآباء يؤكدون على أن مريم كلّية القدَّاسة فقالوا: “كما أنَّ الإنسان الأول قد خُلِقَ من التراب النقي كذلك كان ينبغي للإنسان الكامل أن يُولَدَ من عذراءٍ نقيّة”.  ويقول مار أفرام مردداً “مريم ممتلئة نعمة، طاهرة كلّياً، بلا لوم كلّياً، نقيّةٌ كلّياً، بلا خطيئة كلّياً، بلا دنس كلّياً”،  ويُكمل أيضا “ففيكَ يا رب لا مكان للعيب، ولا في أمك مكان للدنس”. ويقول أوغسطينوس: “كان للشيطان أن يذوق مرارة الهزيمة من الجنسين، كما كان قد تذوّق حلاوة الغَلَبة على الاثنين” .  

أبعاد الحبل بلا دنس لمريم:

          قد وُلدت حواء أيضاً بلا خطيئة أصليَّة ولكنَّها لم تبقَ أمينةً على ذلك، أما مريم العذراء قد حافظَتْ على هذه النعمة وقَبِلَتها حيث لا تناقض ولا إهمال ولا عصيان، ولن تفقدَ حريتها بل أبانَتْ كيف يتكاملُ الإنسان عندما يقبلُ إرادةَ الله ويسيرُ في هذه الحياة، حيث الانسجام بين ما تراه هي وما يراه الله لها . كما يقولُ يوحنا بولس الثاني “منذ الحبَلِ بها، مُتأثِرةٌ بالقدرةِ الخلاصيَّةِ للنعمةِ المبررَة، كانت أولى المُفتدين كما يليق مع دعوتها”. فيوحنا حُبِلَ به في الخطيئة الأصليَّة، ثم برَّر من أجلِ رسالته، أما مريم فقد حُبِلَ بها بلا خطيئةٍ أصليَّةٍ من أجلِ رسالتِها، فهي لم تُبَررْ لاحقاً، لأنَّها قد اختيرَتْ منذ الأزل لتكونَ والدةُ الله …. (فالعذراء مُخلَّصة بالوقاية) .

          إنَّ كلَّ الأنبياء قد هُيِّئوا فيما بعد ليقوموا بدعوةِ المسيح لهم، أما العذراءُ فإنَّها هُيِّئَتْ فيما قبل لأنَّ دعوتَها فريدةٌ بالنظرِ إلى تدبيرِ الخلاص، يقولُ القدّيس ماكسيميليان كولبي إنَّ “الله وحدَه يُدرك تماماً معاني الحبَل بلا دنس وأبعاده” .

مشكلة العقيدة:

          يعتقدُ بيلاجيوس أنَّه لا توجد خطيئة أصليَّة ولم تخضعْ مريم العذراء لها، إذ ليسَتْ بحاجةٍ للخلاص، فقالَ أوغسطينوس صحيحٌ أنَّه لم تخضَعْ مريم للخطيئةِ الأصليَّةِ ولكنَّها بحاجةٍ إلى الخلاص، حيث خلَّصَها الرَّبُ مُسبقَاً وحفظها من كلِّ خطيئة .

          تعطي البيلاجيوسية الدورَ الأكبر والأهم لجهودٍ الإنسان وقدرته الذاتيَّة في بلوغِ خلاصه، وتقلل وتحتقر أهميَّة النعمة الإلهيَّة الضروريَّة. ولكن هذه القدَّاسة لمريم هي شيءٌ استثنائيٌّ، حصلْتُ عليها بواسطة النعمة الإلهيَّة، وليسَتْ إرادةُ مريم الذاتيَّة، ولكنَّها استخدمَتْ إرادتها في الحفاظ على هذه النعمة. فحسب القدّيس أوغسطينوس، إنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ بلوغَ القدَّاسةِ بجهوده فقط، بل هو بحاجةٍ إلى نعمةِ الرَّب، بسبب طبيعته المجروحة والمشوَّهةِ بالخطيئة . 

مفهوم العقيدة عند بيوس التاسع:

          إنَّ الله اختارَ منذُ بدءِ الدهور لابنه الوحيد أُماً يولد منها، وهيأَ من الحبِّ فوقَ كلِّ الخلائقِ ما جعله يضعُ فيها أعظمَ مرضاته، لذلك غرفَ من كنزِ ألوهيَّته وأتاها غزيرَ نعمه السماويَّة وزُيّنَتْ بالجمال والكمال. وأراد الله أن يُعطيها لابنه الوحيد، بحيث يكون بالطبيعة ابناً وحيداً مشتركاً لله وللعذراء، فالحبل بلا دنس هو نتيجةُ أمومةِ مريم الإلهيَّة . إنَّ الكنيسةَ حارسةٌ للعقائدِ التي استودعتها، لا تُغيِر فيها ولا تنقض منها شيء، ولكنها تنحَتُ وترهف ما صيغ في القديم وبَذَرهُ إيمان الآباء.

وعليه، فإن البابا بيوس التاسع في 8/12/1854 أعلنَّ رسمياً عقيدة الحبل بلا دنس في رسالته  Ineffabilis Deus ” بسلطان ربنا يسوع المسيح والرسولين المغبوطين بطرس وبولس، وبسلطاننا نحن، نعلِّن ونُقِر ونحدد أنَّ العقيدة التي تقول بأنَّ العذراء مريم المغبوطة، قد عُصِمَتْ من كلِّ دنسٍ للخطيئة الأصليَّة، منذُ اللحظةِ الأولى للحبل بها، بنعمةٍ وحظوةٍ خاصة من الله القدير، نظراً إلى استحقاقات يسوع المسيح مخلّص الجنس البشريّ، هي عقيدة أوحى بها الله، وهكذا يجب أن يعتقدها كل المؤمنين بثبات وفي كل حين” . وبعد مرور أربع سنوات على هذا الإعلان، ظهرَتْ مريم العذراء في لورد، وقالت: “أنا الحَبَل بلا دنس“.

 

 

 

About الأب مروان حسّان

ولد الأب مروان عزيز ميخائيل حسّان في عمان في الاول من ايلول عام 1988 والتحق بالمعهد الاكليريكي في الشهر ذاته من عام 2001 الى ان سيّم كاهناً على على يدي صاحب الغبطة البطريرك فؤاد طوال بطريرك القدس للاتين السابق في 18-6-2015 في كنيسة الراعي الصالح التابعة لمركز سيدة السلام. ثم عيّن كاهناً مساعداً في رعية مادبا (الأردن) بتاريخ 01/08/2015 الى غاية هذه اللحظة.

Check Also

الشهر المريمي – نصلّي مع القدّيسة تريزيا الطفل يسوع أسرَّار الفرح

نصلّي مع القدّيسة تريزيا الطفل يسوع أسرَّار الفرح  السرُّ الأول: بشارةُ العذراء أيَّها الطفلُ الإلهيّ، …

Leave a Reply

Your email address will not be published.