الرئيسية / مقالات / المرحلة الخامسة
المرحلة الخامسة

المرحلة الخامسة

«وبينما هم ذاهبون، أمسكوا سمعان، وهو رجلٌ قيرينيّ كان آتياً من الرّيف، فجعلوا عليه الصليب ليحمله خلفَ يسوع…» (لوقا23: 26)

​آيةٌ واحدة تذكر سمعان القيريني هذا، بحسب القديس لوقا، آيةٌ جعلتني أفكّر وأتأمّل وأصلي طوال الفترة الماضيّة.

في مسيرة الصليب الصعبة هذه لم يَكُنْ يسوعُ وحيداً، حتّى في آلامه لأجل فداءِ البشر لم يَكُنْ وحده ولم يصلْ إلى الجلجلة وحيداً. لقد تأمَّلنا طويلاً بآلام يسوع وقساوة صليبه، إلا أني في هذه المرّة وجدْتُ في شخصيّة سمعان القيرينيّ موضوع تأملٍ دَسِم.

​وبينما هم ذاهبون، أمسكوا سمعان… 

في القسم الأول من الآية نجدُ أنَّ وجودَ سمعان بالقرب من يسوع هو صدفةٌ بحدّ ذاتها، كان رجلاً ليس من أبناء القدس، هو رجلٌ آتٍ من الرّيف يبدو أنَّه معروف لبعض الناس في تلك المنطقة، كان ينظرُ إلى الألم الذي ينزل بهذا الرجل المشوّه والملطّخ بالدماء. ومن المؤكّد أنَّه كان يقول في قلبه أنَّه قد ارتكبَ جُرماً عظيماً، لأنَّ آلامه كبيرة لا تنزلُ إلّا بذوي الخطايا الكبيرة. أمسكوا سمعان، وهنا دخل سمعان من الأطراف المتفرِّجة، التي تراقبُ اللصوص المجرمين وهم يحملون صليبهم، إلى الوسط.

​من المؤكّد هنا أنَّ سمعان لم يخفْ من ثقل الصليب، بل خافَ من العار أمامَ الناس؛ فبهذه الحركة قد تشوّهَتْ سمعته أمامَ كلّ من يعرفونه ومن لا يعرفونه، وصار هو أيضاً مستهدفاً من قِبَلِ عيون المارّة والمتفرّجين. لكنَّه في هذه الطريق الطويلة اكتشف أنَّ يسوع هو المسيح، لا بمعجزاته ولا بقدرته بل بألمه.

​خدمةُ سمعان هذه قد غيّرت الكثير من الأشياء، وتشبِه كثيراً دخول أشخاص كثيرين إلى حياتي بدون سابق تنبيهٍ، ودخولهم هذا تماماً كدخول سمعان: سريعٌ وعفويٌّ ولكن لا يمكن إنكار العمل الذي عمله.

 

  1. سمعان دخل إلى المسيرة وهو لا يدري وخرج وهو لا يدري: قد تكون هذه اللحظات التي مرّ بها سمعان سريعة جداً، ولا تُذكَرُ تفاصيلها عند الإنجيليين، إلّا أنَّ دخوله في المسيرة هذه لم يتغافلْ عنها أحدٌ منهم. تماماً هو دخول بعض الأشخاص إلى حياتنا، أو بالأحرى أفضل أن أقول، أشخاصٌ يضعهم الرّب في طريقنا لا نعلم كيف دخلوا إلى مسيرة حياتنا إلّا أنَّهم رافقونا في آلامنا وجعلونا على قَدْرٍ أكبر في معرفة ذواتنا. دخلوا وخرجوا في بعض الأحيان، وهذه الذكرى لا تُنسى ولا يُمحى أثرها أبداً.

 

  1. دخل سمعان رغماً عنه: لا تذكر الأناجيل أبداً بأنَّ سمعان قد تطوّع لحمل الصليب، بل يذكر أنَّهم سخّروه لحمل الصليب، أي أنَّهم حمّلوه الصليب رغماً عنه ورغم إبدائه معارضة لهذا الأمر. دخل المسيرة رغماً عنه، إلا أنَّه لم يُرغَمْ أبداً على الكلام والتعرّف إلى الرجل الذي حمل عنه الصليب. قد نواجه هذه الظروف كثيراً، فقد نُرغَم على الكثير من الأشياء التي لا تعجبنا والتي قد تضرُنا أحياناً، إلا أنَّ الله قادرٌّ أن يستخرجَ من كلِّ هذا خيراً يرافق حياتنا.

 

  1. دخل سمعان، إلّا أنَّه لم يغيّر الواقع: إن وجودَ سمعان خلف يسوع، وحمله الصليب معه لم يُغيِر أبداً من مصير يسوع. فيسوع بعدها سقط مراراً تحت الصليب، وبقي محكوماً عليه بالموت، ووصل إلى الجلجلة وتسمَّرَ هناك على الصليب بين لصّين. لم يتغيّر أي شيء عندما دخل سمعان ولم يغيّر ذلك من الواقع شيئاً، إلا أنَّ وجودَ سمعان هذا برفقة يسوع لم ينسَهُ أحدٌ من الإنجيليين ولم ننساه نحن حتّى اليوم. إن وجودي برفقة الآخر ووجود الآخر معي، لا يجبُ أن يقلبَ الموازين، بل يجعل من عيش الواقع معاً، واقعاً يمكن مشاركته، واقعاً يستحقّ النقاش، واقعاً يجعل من الآخر حلاً لكلّ مشاكلي، ويجعل مني حلاً لمشكلته، أو حتّى من الممكن ألّا يكون هناك حل أبداً، لكن هذا اللقاء الذي يحدث في أشدِّ الأوقات صعوبة لا يمكن أن يُنسى.

من المحتمل اليوم أن تجدَ سمعاناً يرافقك، وغداً ستكون سمعاناً لأحد. لا تَكُنْ أبداً مُتفرِّجاً على جانب الطريق بل اجعل إرادة الله تعمل من خلالك، وإرادةُ الله هذه لن تعملَ أبداً فيك إلّا إذا كنت واثقاً بأنَّ الله يحبّك ولا يريد إلّا خيرك.

 

​​​​​​​​​​​عبدلله دبابنه

عن شبيبة أونلاين

موقع كاثوليكي تفاعلي يخاطب الشباب باللغة العربية بطريقة عصرية جذابة ويستخدم وسائط متعددة لمحاولة الوصول الى أكبر عدد ممكن من شريحة الشباب كما يخصص الموقع جزء كبير من صفحاته لمحاولة مساعدة مسؤول الشبيبة في الرعايا المختلفة في ادارة فرقته وتحقيق أفضل النتائج عن طريق مواد تعليمية وترفيهية ومواضيع روحية مناسبة لجميع الفئات العمرية داخل الشبيبة.

شاهد أيضاً

صراعٌ مع الذات

تجولُ بداخلي أنا الإنسان، عاصفةٌ من الأفكارِ التي تُشبِعُ رغبتيّ كإنسانٍ وتُنعـشُني، لكنّها تؤلمني لأنّها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.