الرئيسية / العلم والدين / اسطورة التناقض / اسطورة التناقض: الادعاء التاريخي

اسطورة التناقض: الادعاء التاريخي

إنَّ نشوء فكرة عِداء المسيحيَّة وخاصة الكاثوليكيَّة للعلم ومحاولة الحد منه تعود في جذورها إلى ازدراء وتحقير العديد من المفكرين للدين والسلطة الدينيَّة، ونمَتْ هذه الفكرة بمساعدة المنظمات المتحيّزة ضد الكاثوليكيَّة (anti-Catholic). لقد قام العديد من المؤرخين بتتبُع أصل هذه الادعاءات وتبيَنَ اعتمادها على كتابين رئيسين وهما:

  1. تاريخ التناقض بين العلم والدين لكاتبه جون درابر.
  2. تاريخ حرب العلم واللاهوت في المسيحيَّة لكاتبه دكسون وايت.

هذان الكتابان تمَّ نقض مصداقيتهما تمامًا وبعناية من قِبَل المختصين والمؤرخين المحترفين الذين اعتبروهما عديمي القيمة، ومملوئين بالأخطاء فيما يخصُّ الحقائق العلميَّة والتفسير. مع ذلك، فإنَّ خرافات هذين الكتابين ساهمَتْ في خلق المفهوم الخاطئ لدى عامَّة الناس.

بالعودة للأسطورة، فإنّها تقول بالبند العريض:

إنَّ التقدُّم الهائل الذي حقَقَهُ الإغريق القدماء في مجالي العلوم والرياضيات قد توقف بسبب ظهور المسيحيَّة، التي بشرَّتْ بعصرٍ مُظلِم استمر لمدة 1000 عام. إنَّ المسيحيَّة تهتم للعالم الآخر أكثر من اهتمامها في فهم عالمنا الحالي، وتهتم بما هو فوق الطبيعة أكثر من الطبيعة، إنَّ المسيحيَّة لا تُقدّر العلوم. وبدأ الغرب في التخلص من قيود الدين، الأمر الذي أدى إلى انتعاش العلوم من جديد، ولكن أيضًا تسبَبَ بالعداء والاضطهادات من قِبَل الكنيسة كما هو الحال مع جوردانو برونو في عام 1600 وجاليلو في عام 1633. إنَّ التغلبَ على الخرافات الدينيَّة وتطوير نظرة عقلانيَّة وعلميَّة تسارعَتْ وتيرتها خلال عصر التنوير. ومع قدوم داروين جاءَتْ المعركة الحاسمة التي لا تزال الى يومنا هذا مشتعلة.

هذه هي الصورة لدى غالبية الناس ولكنَّنا سنرى مدى زيف هذه الادعاءات والأباطيل.

الكنيسة والعلم في العصور القديمة

أولاً، إنَّ الكنيسة لم يكنْ لديها شيء لتفعلَهُ حيال التدهور في العلوم والرياضيات لدى الإغريق القدماء. لقد كانوا أساسًا في فترة انحدار منذ عام 200 قبل الميلاد، إنَّ آخر عالم إغريقي عظيم هو بطليموس الذي توفي نحو 165م، عندها كانت المسيحيَّة لا تزال محدودة ومُضطهدَة، وذات تأثير قليل على الثقافة والحياة العامَّة. رجوعاً للمؤرِخ البارز أستاذ العلوم القديمة ديفد ليندبيرغ فإنَّ المسيحيين الأوائل لم يظهروا أي عداء تجاه العلوم ولا حتَّى تجاه جيرانهم الوثنيين. إنَّ القصة التي تتكرر كثيرًا حول تحطيم المسيحيين مكتبة الإسكندرية بما تحويه من إرثٍ كبير من العلوم الوثنيَّة هي قصة لا أساس لها من الصحة وليس لها سند تاريخيّ، إنَّها واحدة من بين كثير من الخرافات التي افتُعِلَتْ من قِبَل أعداء المسيحيَّة. 

ثانياً، القول أنَّ المسيحيَّة تعتقد وتهتم بالقوى الخارقة للطبيعة بالتفسيرات عوضًا عن الطبيعة والعلم هو قول معاكس للحقيقة. إنَّها الديانات الوثنيَّة المليئة بالسحر والأمور الخارقة والآلهة لكلّ صنف، مثل آلهة المحيط والأرض، الجنس والخصوبة، والكثير الكثير. بينما التعليم المسيحيّ يقول أنَّ الإله واحد، وهو ليس جزء من الطبيعة أو من ظواهرها وقواها. بل هو خارج عن الطبيعة وهو بالضرورة خالقها، هذا التعليم قلّص إلى حدٍ كبير عالم الخوارق، وسمح أن ينظر إليه بشكل أكثر وضوح كعالم طبيعي. لنأخذ مثال سفر التكوين، الكتاب الذي يُعتبر غامض ويسخر منه على أنَّه أسطوريّ، بالحقيقة يهاجم سفر التكوين كل الخرافات والأساطير الوثنيَّة حول القوى الخارقة والسحر. عندما يقول سفر التكوين إنَّ الشمس والقمر هما مجرد نيّرات وضعهما الله في السماوات، ينسف بذلك التقدّيس الذي كان الوثنيون يكنونَهُ إليهما على أنَّهما آلهة، وعندما يقول سفر التكوين إنَّ الإنسان (فقط الإنسان) خُلِقَ على صورة الله؛ فإنَّ ذلك يهاجم المُعتقَد الوثنيّ في تقدّيس بعض الحيوانات أو الآلهة التي تُصنَع على شكل حيوانات.

بالنسبة للمسيحيَّة فإنَّ العالم ليس بحد ذاته إله، بل هو مجرد شيء خلقه ويرعاه الله. ولأنَّ الله ليس متقلبًا مثل آلهة الوثنيَّة؛ فقد خلق بالحكمة وأوجد قوانين الكون. يؤكّد الكتاب المقدَّس أنَّ الله هو المشرّع ليس فقط لبني إسرائيل والبشريَّة، ولكن أيضًا للكون بذاته. نجدُ مثلًا في إرميا 33: 25-26 يقول الرب: “مثلنا اتخذت عهدًا مع النهار والليل، ونظام السماوات والأرض، هكذا لا أرفض نسل يعقوب.”

حتَّى عالِم الفلك المشهور اندريه لينده وهو ملحد بالمناسبة عندما اقترح: “أنَّ الكون يحكمه قانون واحد في جميع أجزاءه”، ما هو تاريخيًا إلّا شكل من أشكال التوحيد.

The myth of conflict by Stephan Barr

History of the conflict between science and religion by John Draper

A history of the warfare of science with theology in Christendom by Andrew White

عن اسامة شطارة

بكالوريوس هندسة مدنية / الجامعة الهاشمية 2014 – أكمل دراسة الماجستير في جامعة سالفود/المملكة المتحدة – عضو في شبيبة قلب يسوع الأقدس / ناعور منذ مرحلة البراعم – مسؤول لجنة النشاطات في الشبيبة عام 2015 – المسؤول العام لشبيبة ناعور عام 2016 – عضو لجنة مكتب التعليم المسيحي/الأردن لعام 2016 – مدير مدرسة الكاريتاس للاجئين السوريين في ناعور لعام 2016.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.